سيطرة الولايات المتحدة على جرينلاند في حال حدوثها تعني نهاية حلف الناتو. ويبدو أن الرئيس ترامب جادٌّ في رغبته بضم جرينلاند إلى الولايات المتحدة. فما كان يُنظر إليه سابقاً على أنه مجرد مناورة في بداية المفاوضات، بات اليوم يبدو وكأنه قناعة راسخة، أكدها ترامب علناً برفضه استبعاد استخدام القوة. لكن الأوروبيين جادّون أيضاً في هذا الشأن. والاعتقاد بأن أوروبا ستقبل بهدوء باستيلاء الولايات المتحدة على جرينلاند ثم تمضي قُدُماً سيكون خطأً فادحاً.

فقد كان تصريح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأخير، الذي أكد فيه وقوف بلاده متضامنة مع الدنمارك في حال تعرّضت سيادة جرينلاند لهجوم، ودعوته إلى نشر قوات أوروبية في الجزيرة، ما هو إلا أحدث مؤشر على هذا العزم المتنامي.
ولا حاجة إلى التكهن بأسوأ السيناريوهات المحتملة لمثل هذه المواجهة، إذ إن النتيجة الأكثر ترجيحاً سيئة بما يكفي. فقد حذّرت رئيسة الوزراء الدنماركية، ميته فريدريكسن، من أن أي هجوم على جرينلاند سيعني نهاية حلف شمال الأطلسي (الناتو). وهذا من شأنه أن يحرم الولايات المتحدة من شبكة حلفاء لا تُقهر، ويتيح لأعدائنا المشتركين استغلال الانقسامات، ويقوّض الأساس الأخلاقي الجماعي للتحالف، الذي ساعد لعقود على تعزيز القوة الناعمة الأميركية في أوروبا والعالم. باختصار، سيجعل ذلك أميركا أضعف، لا أكثر أمناً.
لا تُعدّ جرينلاند قضية هامشية بالنسبة للأوروبيين. فالتهديدات التي تواجهها تمسّ جوهر فكرة أوروبا، والسيادة، والقانون الدولي، والثقة. وقد أكّد قادة أوروبيون بارزون مؤخراً على موقفهم الموحّد بأنّ القرار النهائي بشأن مصير الدنمارك وجرينلاند يعود إليهما وحدهما. إنّ احتمال نشوب أزمة قائم، والأمر الأكثر إثارة للحيرة هو أنّ هذه الأزمة ستكون غير ضرورية تماماً ويمكن تجنّبها بسهولة.
يمكن لترامب أن يشير، وبمصداقية، إلى إنجازات مهمة في تعزيز حلف «الناتو». ورغم أن أسلوبه لم يلقَ قبولاً لدى الجميع، فإنه أثبت فعاليته. فقد نجح في دفع حلفاء الولايات المتحدة إلى الالتزام بهدف جديد للإنفاق الدفاعي يفوق بكثير ما كان يُعتقد ممكناً.

وبعد أكثر من عِقد من الصعوبات في تحقيق هدف إنفاق 2% من الناتج المحلي الإجمالي، تعهّد أعضاء «الناتو» الآن بإنفاق 5% بحلول عام 2035. وقد بدأت دول أوروبية كبرى، مثل ألمانيا، بالفعل التحرك بسرعة نحو هذا الهدف.
إن وجود ركيزة أوروبية أقوى يتيح للولايات المتحدة التركيز على تحديات استراتيجية أخرى، ولا سيما في نصف الكرة الغربي ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ووفق أي تقييم منصف، فإن الناتو يسير على طريق أن يصبح أقوى عسكرياً بفضل ضغوط الرئيس ترامب. ومع ذلك، وبسبب ترامب نفسه، بات بقاء الناتو مهدداً اليوم.
إن التهديد بضم أراضٍ تابعة لحليف في الناتو يُقوّض أُسس الحلف. فالناتو ليس مجرد تكتُّل عسكري، بل هو مجتمع من الديمقراطيات الليبرالية صمد بفضل ثقة أعضائه ببعضهم البعض، وعدم تهديدهم لبعضهم. فهم يتشاورون ويتفاوضون ويحلُّون النزاعات سلمياً. هذه الثقافة السياسية المشتركة ليست ترفاً، بل هي أعظم رصيد استراتيجي للناتو. وهي ما يُميّزنا عن أولئك الذين يعتمدون على التهديدات والحيل للحفاظ على تحالف «أصدقائهم».
إذا بدأ الحلفاء يشكّون في أن سيادتهم ستحترم من قِبل شركائهم، فلماذا يصدق الخصوم أن التحالف سيدافع عن سيادتنا في مواجهة تهديدات خارجية؟ إن ما هو على المحك هنا ليس جرينلاند بحدِّ ذاتها، بل مستقبل العلاقة عبر الأطلسي.
هذا الأصل الفريد بات اليوم في خطر. فقد ألمح الرئيس ترامب إلى أنه قد يضطر للاختيار بين جرينلاند و«الناتو». وبالنسبة للأوروبيين، يعدّ هذا تصريحاً مقلقاً للغاية. وبالنسبة للأميركيين الذين يقدّرون قيمة «الناتو»، ينبغي أن يكون مقلقاً بنفس القدر.
وللتوضيح، هناك مخاوف مشروعة تقف وراء تركيز ترامب على أمن القطب الشمالي. فقد تأخر الحلفاء عبر الأطلسي فعلاً في الاستجابة للأنشطة المتزايدة لكل من روسيا والصين في أقصى الشمال. وتستحق هذه المنطقة مزيداً من الاهتمام، لا سيما من جانب «الناتو». فالأهمية الاستراتيجية للقطب الشمالي حقيقية، وهي في تزايد مستمر.
لكن هذه التحديات تعزّز الحجّة لصالح «الناتو» - لا لصالح التحرك الأحادي. فهي تتطلب وجوداً أكبر للحلفاء، وتنسيقاً أفضل، وتشاوراً سياسياً مستداماً. إن حلفاء الولايات المتحدة في الشمال يشكّلون رصيداً هائلاً لها، أما خصومها فلا يملكون مثل هذه الميزة. ويوفر «الناتو» بالفعل إطاراً لمعالجة أمن القطب الشمالي بشكل جماعي، عبر تجميع الموارد والشرعية على نحو لا تستطيع أي دولة بمفردها أن تضاهيه.
وما ينطبق على أقصى الشمال ينطبق أيضاً على بقية أنحاء أوروبا والعالم بأسره. فالناتو قوة لا للأمن الجماعي فحسب، بل للأمن الفردي لكل دولة من أعضائه، بما في ذلك الولايات المتحدة. تذكروا: لم يتم تفعيل البند الخامس من معاهدة «الناتو» إلا مرة واحدة للدفاع عن أميركا عقب هجمات 11 سبتمبر. ومن المحيط الأطلسي إلى شمال أفريقيا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، تُعزز مصالح الولايات المتحدة بفضل القوة التي يحققها الحلف.
 اللحظة الراهنة تتطلب أصواتاً قوية تدعو إلى ضبط النفس وتحمُّل المسؤولية، ولا سيما داخل الولايات المتحدة. فعلى الأميركيين الذين يدركون القيمة الاستراتيجية للناتو بالنسبة لبلادهم - وهم كُثُر - أن يرفعوا أصواتهم الآن. وعليهم أن يذكّروا قادتهم بأن قوة أميركا كانت دائماً معزّزة، لا مقيدة، بوجود حلفاء أقوياء. وإذا أردت حلفاء، فعليك أن تعاملهم كحلفاء.
لا ينبغي لقضية جرينلاند أن تتحول إلى قطيعة. وإذا أُديرت بحكمة، يمكن أن تصبح مثالاً آخر على نقاط قوة الناتو الدائمة: التشاور، والتسوية، وحل المشكلات بشكل جماعي. لقد نجا الحلف من أزمات أخرى - لأنه اختار الحوار بدلاً من المواجهة. وما زال الوقت متاحاً للقيام بذلك مرة أخرى.

فولفجانج إيشينجر 
*دبلوماسي ألماني مخضرم، شغل منصب وزير دولة في وزارة الخارجية الألمانية، وعمل سفيراً في واشنطن ولندن.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»